سيد محمد طنطاوي
187
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : لا أحد أحسن حكما من حكم اللَّه - تعالى - عند قوم يوقنون بصحة دينه ، ويذعنون لتكاليف شريعته ، ويقرون بوحدانيته ، ويتبعون أنبياءه ورسله . فاللام في قوله : * ( لِقَوْمٍ ) * بمعنى عند ، وهي متعلقة بأحسن ، ومفعول * ( يُوقِنُونَ ) * محذوف أي لقوم يوقنون بحكمه وأنه أعدل الأحكام . والجملة حالية متضمنة لمعنى الإنكار السابق . وخص - سبحانه - الموقنين بالذكر ، لأنهم هم الذين يحسنون التدبر فيما شرعه اللَّه من أحكام ، وينتفعون بما اشتملت عليه من عدل ومساواة . هذا ، وقد شدد الإمام ابن كثير النكير على الذي يرغبون عن حكم اللَّه إلى أحكام من عند البشر ، ووصف من يفعل ذلك بالكفر ، وأفتى بوجوب مقاتلته حتى يرجع إلى حكم اللَّه ورسوله فقال - رحمه اللَّه - : « ينكر - تعالى - على من خرج عن حكم اللَّه - المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر - وعدل عنه إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة اللَّه ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات . مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم « جنكزخان » الذي وضع لهم « الباسق » وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى . فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب اللَّه وسنة رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم اللَّه ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير . قال - تعالى - * ( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّه حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) * أي : ومن أعدل من اللَّه في حكمه لمن عقل عن اللَّه شرعه وآمن به وأيقن . وعلم أنه - سبحانه - أحكم الحاكمين ، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها ؟ فإنه - تعالى - هو العالم بكل شيء ، والقادر على كل شيء ، والعادل في كل شيء . روى الطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أبغض الناس إلى اللَّه - تعالى - من يبتغى في الإسلام سنة الجاهلين ومن طلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه « 1 » . وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد كشفت « باستفاضة » عن المسالك الخبيثة التي سلكها اليهود وأشباههم لكيد الإسلام والمسلمين . فأنت تراها في مطلعها قد نادت الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بهذا النداء وأمرته بعدم المبالاة بما يصدر عن
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 67 - بتصرف وتلخيص -